من وحي استقلال الجزائر : الحبيب التيتي

استعمرت فرنسا الجزائر ابتداء من سنة 1830 ولكونها تلقت مواجهة شرسة فلم تستطع اعلان السيطرة الكاملة على قطر الجزائر إلا سنة 1930 اي بعد مائة سنة من التواجد العسكري.وبعد حرب تحرير مريرة قدم فيها الشعب الجزائري مليون ونصف من الشهداء استطاعت الجزائر ان تعلن استقلالها عن فرنسا يوم5 يوليوز 1962.


اكتسى التواجد الاستعماري بالجزائر عدة اشكال كان احدها نزوح العديد من اتباع سان سيمون وهم مجموعة من الاشخاص كانوا يعتقدون بإخوة البشر ومساواتهم وبانعدام الفوارق الجنسية والطبقية.كان هؤلاء الاتباع يعتقدون بضرورة اشاعة اخلاق الحرية والمساواة والسعي لتطبيقها في المجتمع.هكذا حلوا بالجزائر وحاولوا نشر قيمهم هذه والدعوة الى تجاوز مخلفات التواجد الاستعماري الفرنسي المبني على الاستحواذ على ممتلكات الجزائريين ونزعها لصالح المعمرين الفرنسيين وباقي الوافدين الاوروبيين من اسبانيين وايطاليين وحتى المان.
من المعلوم ان اتباع سان سيمون هم جزء من الاشتراكيين الطوباويين مثلهم مثل رفاقهم اتباع اووين في انجلترا.ولأنهم اشتراكيون طوباويون فإنهم عجزوا عن ادراك حقيقة الظاهرة الاستعمارية وما خلقته من اعتداء على المجتمعات الخاضعة.لقد كبح الاستعمار تطور المجتمعات المستعمرة وخلق واقعا مشوها حكم على هذه الشعوب بالبقاء في مستوى متدني من التطور والتقدم بل تحولت البلدان الى تابعة للميتروبول او المركز.
جاء النقد العلمي للاشتراكية الطوباوية على ايدي ماركس ورفيقه انجلس وتبلورت الاسس والمبادئ القائدة للفكر الجديد اي الاشتراكية العلمية وكان من بين جبهات الصراع والنقد جبهة تحليل الظاهرة الاستعمارية.
كشف قائدي الاشتراكية العلمية الاسس التي ادت الى نشوء نمط انتاج الرأسمالية وقيام سلطة البرجوازية وتطورها الى حد ان السوق الوطنية لم تعد كافية لمواجهة تطور قوى الانتاج وتصريف فائض الانتاج الحاصل في التراكم في الرأسمال والحاجة الماسة والمتزايدة لمصادر المواد الخام واليد العاملة.هكذا نشأت الظاهرة الاستعمارية وتطورت الى درجة ان حصلت عملية اقتسام العالم ما بين القوى الرأسمالية العظمى.
تحققت هذه الخطوات من الاستعمار مع ظاهرة تحول البرجوازية الى طبقة سائدة ومهيمنة على السلطة الاقتصادية والسياسية ببلادها.لقد تحولت الى طبقة تحكم بالحديد والنار مجتمعاتها.فأنشأت ترسانة قانونية سواء في التجارة الداخلية او الدولية وأنشأت ايضا ترسانة من البواخر العابرة للمحيطات وجهزت جيوشا في البر والبحر وأصبحت قوة البلدان تقاس بما لها من وحدات من البوارج والمدرعات والدبابات والمدافع.
تلك هي حقيقة ظاهرة استعمار بلدان قريبة او بعيدة كانت من بينها طبعا الجزائر.وقد لخص ماركس نظرته لظاهرة الاستعمار لما قال" ليس بشعب حر من يستعمر او يضطهد شعبا آخر".هكذا تسقط نظرة الطوباوييون الذين حاولوا زرع قيم الاخاء والمساواة بين المحتل الفرنسي وأهل البلد الجزائريين.فهؤلاء الطوباوين كانوا كما لو انهم خارج قانون التاريخ.انهم كانوا يتجاهلون ان الشعب الفرنسي بدوره في حاجة للتحرر من قبضة البرجوازية التي اصبحت طبقة رجعية، انهم كانوا يعالجون الظواهر ويغفلون الاسباب.
اننا نرى اليوم وبالعين المجردة كم من الشعوب تضطهد شعوبا اخرى وهي في الحقيقة شعوب في حاجة الى تحرير نفسها.




الحبيب التيتي : قيادي في حزب "النهج الديمقراطي " اليساري المغربي 09/07/2017