البعد المأساوي للديمقراطية الحديثة ... السعدية الفاضلي

البعد المأساوي للديمقراطية الحديثة


لقد صنع اليونانيون القدامى فن مسرح التراجيديا لكنهم هم من أنتج أيضا مبدأ الديمقراطية وأحيانا فعلوا ذلك من خلال التراجيديا نفسها والتي كان يفسر بها اليونان القديم العالم وما ينزل من مصائب على المدينة والناس ، مما قد يفسر اختفاء هذا الفن في اليونان بمجرد ظهور الفلسفة.
فالتراجيديا كانت تواكب محاولات الإنسان التصدي لحتمية القدر الذي كانت تنزله عليه "الآلهة" كما يجسدها مشخصنة على خشبات المسرح ،وقد شكلت شخصية أوديب نموذج الإنسان الألعوبة في يد الحتمية والذي تجلى بعده التراجيدي في صراعه المرير اللامجدي للانفلات من رغبات "الآلهة" ومحاولة ممارسة حريته والهروب من "قدره" على الأرض .
هذا الصراع بين ما يبدو "إلهيا" قدريا وحتميا وبين حرية الإنسان في اختيار مصيره تكررت في أكثر من مشهد في التراجيديا اليونانية ، وقد مثلت شخصية كريون مثلا نموذجا للدفاع عن قانون "المدينة" ورفض دفن ابن أخته لأن هذا الأخير هاجم المدينة وبالتالي كان لزاما سريان القانون عليه كبقية المواطنين بغض النظر عما تحث عليه "الآلهة" من تضامن عائلي جسدته شخصية أنتيجون حين كانت تلح بدفن أخيها رغم جرمه. 
بعد ظهور الفلسفة تقوى لدى الناس الإيمان بقدراتهم في التصدي لتبعات حتمية" القدر" ،فانبروا يحاولون التحكم في مصيرهم محاولين اختزال حصة الحتمية في مسارات حياتهم من خلال تنظيم أنفسهم لتدبير شؤونهم أي من خلال الديمقراطية. فهل الصراع بين الديمقراطية (كآلية للحرية )وبين المقدس (كمساحة غير قابلة للرفض والمساءلة) قد انتهى في الواقع وفي مخيال الناس أم يغير تلاوينه فحسب ؟؟ وهل لازالت الديمقراطية محافظة على هويتها ؟
يبدو أن عمر هذا الصراع طويل جدا فقد كان التاريخ حافلا به بين من يروا أنفسهم يمثلون العقل و الحرية وبين من يقدمون أنفسهم يمثلون "المقدس" الذي تم سبغه حتى على الأشخاص والحكام ليأخذ "المقدس " في كل عصر وحسب السياقات والأمكنة صورا مختلفة. فتجسد كصراع بين فلسفة الأنوار وبين الكنيسة ثم فيما بعد بين الأحزاب الدينية (كاثوليكية وإسلامية ويهودية ) وبين العلمانيين كما تجسد حتى في السجالات الإعلامية حول النساء بين من يرون أنفسهم ممثلين للقانون" المقدس" ومن يرون أنفسهم ممثلين لقانون "المدينة"فكان الجانب المأساوي لهذا الصراع متمظهرا بشكل جلي في عجز أولئك عن إنشاء مدينة في خدمة "المقدس" و عجز هؤلاء عن إنشاء مدينة في خدمة الإنسان. و المأساوي أكثر في الأمر أن الصراع حول انتزاع أوسع مساحة سلطة ممكنة استمر بين الجانبين بالتوازي من جهة مع امتداد" المقدس" ليشمل البشر أنفسهم أحيانا ، ومن جهة أخرى مع انتحال النزعة التدميرية للإنسان صفة الدفاع عن الإنسان مما أجهز على الإنسان نفسه في بعض الحالات (استغلال الخطاب الحقوقي نموذجا للسطو على الدول وتشريد الإنسان وقتله وتهجيره).
ومما عمق مأساوية الديمقراطية الحديثة هو كونها تعتمد الإحصائيات معيارا ،لم يعد الأمر صراعا بين وجهتي نظر بل بين عددين، ويبدو هذا جليا في الاستفتاءات مثلا ،إذ لا نستطيع إدراك الأسباب الحقيقية أبدا والتي جعلت مصوتا ب"نعم"يقول نعم ولا التي جعلت مصوتا ب"لا" يقول "لا" ،ولا إذا ما كانت أسباب قائل "لا" أكثر إقناعا أو أخلاقية من قائل "نعم " ،ومن هو الأقرب للمنطق ابن الفلسفة التي هي الأم الأولى للديمقراطية ،أي بمعنى آخر من من الإثنين يقف موقفا يحمل هوية ديمقراطية بطبعه المنطقي .
كما لا يمكننا معرفة من تموقع بناء على قناعة أو حتى أسباب أخلاقية حسب ما يراه أخلاقا وبين من تموقع بدافع الخوف أو بدافع الإغراء المادي أو بدافع التضليل .لا يمكننا معرفة الأجوبة لأننا لا نقارن بعد إفراغ الصناديق بين درجات قوة المنطق وقوة البعد الأخلاقي في وجهات النظر بل نحصي الأوراق وفقط. هنا صارت الديمقراطية شكلية وفقدت هويتها الأولى وهي التي أنتجها العقل الفلسفي المجادل والواضع للإنسان وعقله في مركز اهتمامه وتحولت لعدد صامت في صندوق.
على مستوى الانتخابات الأمر نفسه ،لا نمارس التفكير والفلسفة بل نحصي وهذا يفسر الفشل المدوي والمتكرر في تحقيق الحرية والعدالة .ولإدراك الفكرة أكثر لنتخيل الانتخابات تخص حيوانات في غابة معظم المتواجدين بها ذئاب هل سينجح الذئب لأنه مقنع أم لأن الصدفة شاءت أن الأغلبية تشبهه ؟ ولنقلب السؤال الآن ونقول إذا نجح الأسد هل نجح لأنه مقنع أم لأنه مخيف ؟؟ كيف يمكننا معرفة الأمر إذا كان" الحدث الديمقراطي" لم يعد وفِيا لأصوله الفلسفية الأولى في جدلها ومنطقها بل صار بشكل تراجيدي عددا من الأوراق البكماء في الصناديق ؟؟
مأساة الديمقراطية الحديثة أنها لم تعد شأنا فلسفيا بل شأنا إعلاميا إذ يتم التلاعب إعلاميا لصناعة أكبر عدد ليس من المفكرين حول وجهات نظر بل من المستهلكين لمنتج سياسي يريده ممولو المؤسسات الإعلامية :مرشح أو حزب أو أحيانا حتى "ثورة". وقد يفسر هذا فشل الإنسان"المواطن" أكثر فأكثر في التحكم في مصير الشأن العام أي الشأن الذي يهمه وأصبح مجال السياسة حافلا بالمفاجآت حيث تنجح الفاشيات في الحشد، وتنجح في الانتخابات وتقود الثورات ، لأن الفلسفة صارت أمرا من اثنين أحلاهما مر، صارت سلعة يستثمرها غير الفلاسفة في التنظير لتدمير العالم والإيغال في التفكير المفرد،أو صامتة منزوية يكتب سادتها الأدب ومذكراتهم .

 السعدية الفاضلي