الاسلام السياسي المعاصر واليد العلنية او الخفية للامبريالية.

الاسلام السياسي المعاصر واليد العلنية او الخفية للامبريالية.

كان الرجل المريض اي الدولة العثمانية احد المواضيع التي اشتغل عليها التقسيم الدولي للخريطة العالمية بين القوى العظمى.فبموجب خدمة مصالح هذه القوى اتخذ قرار تحجيم الخلافة بل حصرها في اضيق نقطة جغرافية وهي الحدود التركية المعروفة اليوم.
اما على المستوى الفكري او المنظومة الايديولجية فسيتم خلق توجه اسلامي جديد وذلك بالدمج ما بين تيار محمد بن عبد الوهاب المعروف بعدائه للخط الرسمي للخلافة العثمانية مع نفوذ قبيلة بدوية في شبه الجزيرة العربية وهي قبيلة ال سعود وعلى هذه الارضية اشتغلت الامبريالية الانجليزية من اجل اقامة الدولة الوهابية- السعودية كبديل لدولة الخلافة في المشرق.
تلك كانت بذرة الاسلام السياسي المتطرف وهي نفس البذرة التي رعتها لاحقا الولايات المتحدة الامريكية وخاضت بها حروبا ضارية في منطقة اسيا وشمال افريقيا في فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي ومع الفكر الشيوعي عامة.
على هذا المنوال تطورت اغلبية مشتقات هذا الاسلام السياسي، التي كانت تنمو وتتطور في كنف ورعاية القوى الامبريالية . هذا ما اكده تاريخ الاخوان المسلمين او حزب التحرير ثم جميع اصناف التنظيمات التكفيرية والجهادية من القاعدة الى داعش والنصرة.
حتى الاسلام السياسي الشيعي كان في الاصل والبدء موجها لإجهاض الثورة الشعبية المتوجهة نحو المجتمع الاشتراكي، لذلك اعتبرته الامبريالية حليفا في حربها الباردة فاستفاد من فترة سماح الامر الذي مكنه من التحول الى اسلام سياسي يقود دولة تحاول الحفاظ على نوع من الاستقلال النسبي او بحقها تحت الشمس لتتحول الى قوة جهوية وهو ما فشل فيه نظام شاه ايران.
ان الاسلام السياسي المعاصر هو التعبير الطبقي لمصالح مجتمعية لقوى اجتماعية لا يمكن ان تتطور إلا بارتباط وثيق مع مصالح المنظومة الامبريالية العالمية.وهذه الخاصية شديدة الاهمية في تحديد موقف هذا الاسلام السياسي من كل تغيير ثوري بالمنطقة.لقد اظهرت السيرورات الثورية بأنه كان في اغلب تياراته دائما ضمن القوى المضادة للثورة في اخر المطاف والتحليل وبرز ذلك لحظة تمكنه من اخذ زمام السلطة.
ان فترة السيرورات الثورية وارتباط بعض قوى الاسلام السياسي ذات النفس الشعبي الملتصق بهموم الكادحين بات ينتج تطويرات نظرية وفقهية وسياسية على قاعدة العديد من الاساسات النيرة والمضيئة في الثرات الاسلامي.انهم حفدة ابن رشد الذين لن يثنيهم الاجتهاد والنضال من اجل ان يكونوا في صف الكادحين بل يتوقون للتعبير عن هذه الطبقات والفئات الاجتماعية.هكذا بتنا نرصد بروز ميل للإسلام الشعبي المناضل والمستنير يعبر عن نفسه سواء في الاوساط السنية او الشيعية.في المغرب لا زالت الظاهرة في بداياتها ولكنها واعدة وجب تشجيعها على الارتباط اكثر بالحركية الاجتماعية وان توثق علاقاتها عميقا مع القضايا الطبقية وان تشتغل على قاعدة هذه الاساسات المادية والعميقة.
وفي هذا المجال نعتقد ان الصراع المفتوح اليوم مع تيارات الاسلام السياسي وخاصة موقفه من الدولة وهو صراع يحصره اصحابه حول مطالبة هذه التيارات بتقديم كشف حساب حول موقفها وفهمها لمسالة الديمقراطية ويوجهون لها نقدا حادا حول ان لها نظرة اجرائية فقط اي انها لا ترى في الديمقراطية الا جانبها الكمي ولغة الصناديق واعتبارها الية احتساب الاصوات فقط كما كشفته تجربة الاخوان المسلمين في الثورة المصرية.ان هؤلاء الذين يخوضون الصراع مع هذه التيارات الاسلامية يقومون بذلك من موقع فهمهم الليبرالي للديمقراطية حيث تعتبر الديمقراطية البرجوازية والمطبق منها في الغرب اسمى ممارسة سياسية وصلتها البشرية.انها نهاية التاريخ.
يعتقد هؤلاء الليبراليون ان تيارات الاسلام السياسي عاجز على تبني هذه الديمقراطية التي يدعونه اليها وينسون بان هذه التيارات الاسلامية وفي التحليل الطبقي الاخير ليسوا إلا تعبيرات طبقية تشتغل على تأبيد السلطة والهيمنة في يد الطبقات المالكة لوسائل الانتاج.انهم في خدمة الملكية الخاصة ودولتها.يختلفون فقط من حيث الخطاب او التعبير الايديولوجي. ان هذه التيارات الاسلامية قادرة على رفع هذا التحدي والقبول بالمنظومة البرجوازية للديمقراطية ولنا في البيجيدي مثال ونموذج لهذا الفهم للديمقراطية الليبرالية.
حصر الصراع فقط في هذه الزاوية يعبر عن قصر نظر من يخوضه بل يعري عن تواجد المتصارعين على نفس الارضية الطبقية مما يجعل من الصراع صراعا ينطلق من نفس الخانة السياسية ان لم يكن السياسوية.ولفهم هذه القضية نعتقد ان دراسة ما يجري اليوم في تونس من التقاءات بين القوى البرجوازية وحزب النهضة يظهر كم هي متشابهة الاسس الطبقية لهذه الفرق.
لذلك نعتبر ان الصراع من اجل قيام نظام ديمقراطي ليس فقط محصورا في مواجهة تيارات الاسلام السياسي بل ايضا مع كل القوى التي تمتح من النظرة الليبرالية لقضية الديمقراطية.ان للديمقراطية اسس طبقية ولها غايات اجتماعية وسياسية وفي صلبها بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية حيث تسود ديمقراطية مباشرة تتجاوز سقف وافق الديمقراطية التمثيلية الموظفة في تأبيد سلطة راس المال. 
بالإضافة الى ذلك وكما اسلفنا اعلاه فان الموقف من الامبريالية ومن مسالة التحرر الوطني يعتبر احد اهم معايير اندراج قوى الاسلام السياسي ام لا في عملية التغيير الثوري في بلد معين.انه محك ينضاف الى الموقف من مسالة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وقضية المرأة وحقها في المساواة وعلمانية الدولة والمجتمع.

التيتي الحبيب
26/07/2017